الحلقة الرابعة ...المنودراما التعاقبية
من الفكرة إلى الخشبةّ
!!!!!!
في الوقت الذي كنت أحضّر لهذه الحلقة تذكرت جلسة موقع
مسرح كنعان الوطني مع الباحث الفنان الدكتور حميد صابر حول (الإتجاهات الإخراجية
ومفهوم التجريب المسرحي) ، وفي هذه الجلسة الأكاديمية الممتعة في معرفيتها
إستوقفتني عبارة مهمة جداً (التجريب توأم الخيال) والتي تعتبر برأيي منطلقاً من
منطلقات البحث والخلق والتغيير في فضاءات المسرح.
يقول مؤسس المسرح الملحمي ، الكاتب الألماني برتولد
بريخت : أن فناً لا يبحث عن تغيير العالم لا يستحق الإهتمام ) ويضيف (إذا كان الفن
يعكس الحياة فإنه يفعل ذلك بمرايا خاصة) ، وإذا تحدثنا عن الفن المسرحي فلابد لنا
أن نتساءل كيف يكون مساهماً في (تغيير العالم) ، كيف يكون نوع قدرته الفكرية
والجمالية وكيف نخلق مراياه الخاصة كي تعكس الحياة من أجل تغييرها ؟؟
ولأنه نوع من أنواع الفن المسرحي فأن العرض المنودرامي
أيضاً يواجه هذه التساؤلات خاصة وإن العديد من الكتّاب والمسرحيين لم يعطوه الكارت
الأخضر وبعضهم إستبعد أن يكون كنوع مسرحي ،
فمثلاً إعتبر الدكتور حمدي الجابري
المنودراما (مسرحاً كاذباً وخادعاً) يلتجأ إليه العاجزون!!! وعالمياً نتوقف عند
رأي بيتر بروك الذي قال أن (المنودراما أقل حرارة في المسرح القائم) وإنها (تفتقر
إلى المواجهة بين أكثر من ممثل ) فيما كان رأي المخرج الفرنسي جان لوي بارو حاسماً
في رفضه للمنودراما كونها تبقى( فناً
درامياً ناقصاً حيث تفتقر لعنصر الحدث وتنحصر دائماً وأبداً في أشكالها الفردية
)...هنا نلاحظ ولاحظت أنا أن هذه الأراء رغم تباين مستويات رفضها للعرض المنودرامي
، إلا أنها تؤكد لادرامية المنودراما ، بمعنى أنها تفتقد للصراع الذي يعتبر أهم
جوهر في أي عرض مسرحي ومثلما قلت سابقاً أن مثل هذه الأراء المعارضة للمنودراما هي
أيضاً كانت الدافع المحرّك في تواصلي لتغيير البنية البصرية والمضمونية للعرض
المنودرامي ، حيث يكون السرد أو أحاول أن يتخلص من جغرافية الماضي والإستذكار
والإستحضار ويتناول الحاضر والأني وليصبح أكثر فعالية وتصادماً ومثيراً ومحرضاً
لوعي المشاهد وبل دافعاً له نحو المشاركة في العرض وبل المساءلة حول أحداثه
أوشخصياته المتعددة
لعلّ العرض الثاني المنودرامي
(لا أحد يطرق بابي تأليف عبدالرزاق الربيعي)
الذي قدمته داخل الكنيسة حيث وظّفت جغرافيتها وكورالها الإنشادي للعرض كان
أول القدح في إمكانية تقديم عرض منودرامي مغاير ومختلف من حيث الحلول البصرية
والفكرية، ولكن شرارة القدح لم تكن كافية في ولادة الفكرة بصورة واضحة ، اذا كانت
محاطة بالتساؤلات التي فتحت شهية القراءة لتاريخ المسرح والمنودرامي منه بشكل خاص
مروراً بمحاولاتي المتواضعة ومشاهداتي السابقة لتجارب مبدعين مسرحيين منودراميين
كل هذه دفعتني أكثر إلى الوقوف عند السائد العرض المنودرامي وطرح تساؤلات حول
بنيته البصرية والمضمونية ، وهل من الممكن تغيير هذه البنيّة تغييراً جوهرياً
وجديداً في النص والأخراج والتمثيل وتأثيث الفضاء المسرحي؟؟؟
وفي مقابل هذا التساؤل كان
ينتصب أمامي تساؤل مغاير : هل هذا التغيير الذي بدأت التفكير به يتحول إلى مشروع
عملي يمكن تنفيذه كعرض مسرحي لا يتناقض مع تسمية العرض المنودرامي ، وبالعكس من
ذلك يتخلص من النمطية والثوابت ويضيف إليه حيوية بصرية ممتعة ومؤثرة ومشحونة بالجمال
والمعرفة.
في حالة تنفيذ مشروع المنودراما
التعاقبي حاولت بأن يكون العرض المنودرامي ليس عرض الممثل الواحد وسيثبت بأن
المنودراما تملك طقوساً وأحداثاً وشخصياتً متصارعة ومتفاعلة مع بعضها ومع وعي
وذائقة الجمهور.
ومما لا شك فيه ان مشروعي
المنودرامي لا يتكئ على الفراغ ولا على التنظير التجريدي ، إنه يستند على ميراث
المعرفة التنويرية والذي غامر منتجوه في صناعة الجديد وبل والتسابق في تجاوز
التابوات والقواعد والأنماط وإنجاز رؤى
واساليب وعوالم وفضاءات غير مسبوقة ، وفي تاريخ المسرح ومسيرته الطويلة الغنية نجد
مبدعين حاولوا خلق بصمات خاصة وتأسيس تيارات مازال البعض منها يتواصل ويتجدد من
جيل إلى جيل ومن بلد إلى بلد أخر ولعل هذا الأمر جوهر الإبداع وهاجس ضروري يمتلكه
المبدع المعرفي .
هذا الهاجس كنت أستحضره في عام
2011 وأنا منشغل بفكرة تغيير العرض المنودرامي ولم تشجعني المواقف ، الكتابات ،
الأراء المؤيدة للمنودراما ، بالعكس ما شجعني الكثير من أراء مناهضة أو معارضة أو
مشككة لحضور المنودراما كنوع من أنواع المسرح
، الأراء الأخيرة جعلتني أن أرتب هاجسي وأطرح عليه تساؤلات متنوعة حتى تحول إنشغال يومي لي ومن ثم صار كفكرة
تتبلور شيئاً فشيئاً وتتوجه نحو التشكل والتأسيس كمشروع بدأت مناقشته ومن ثم
كتابته كنص يدعو إلى عرض منودرامي جديد يعتمد في البدء على ثلاثة طرق متنوعة يمكن
للكاتب أو المخرج أو السيناغرافيست الإنطلاق منها وإضافة رؤيته الفكرية ومقترحاته
البصرية على الطرق الثلاث التي سجلتتها في المشروع المسمى لاحقاً بــ"
المنودراما التعاقبية" ولذلك حرصت أن يظهر نص المشروع كتنظير عملي يمتلك
أرضية للتطبيق المفتوح على تقبل أفكار جديدة
ولا تبدو كقواعد ثابته في العرض المنودرامي.
لم أعلن عن المشروع " المنودراما
التعاقبية" حتى عام 2014 حيث نشرت نص المشروع في الصحف والمواقع وتوالت أراء
العديد من المسرحيين والكتّاب حوله وتلك الأراء إختلفت وبل تعارضت في تقييمها
وقراءتها للمشروع إلا أن جميعها وضعني أمام مسؤولية رائعة وصعبة وتتمثل بتنفيذ
المشروع كعرض مسرحي يصبح في مواجهة محك
التقييم الفعلي والقراءة النقدية.
ومن المهم أن نذكر بأن التنفيذ
العملي للمشروع يتطلب إقامة ورشة فنية لمدّة لا تقل عن أسبوع كامل يشارك فيها
كتّاب وممثلون وفنيون وطلاب وقد وضعت برنامجاً كاملا لهذه الورشة الفنية ويمكن
خلالها مناقشة وطرح معلومات ومعطيات تخص تجارب العرض المنودرامي وقراءة نص المشروع
بصورة تفصيلية تخص الرؤية الأخراجية والأداء التمثيلي وفضاء المسرح وتأليف النص
وفق المشروع وهنا اريد التوقف عند أسبقية كتابة ثلاث نصوص كتبها الكاتب المسرحي
صباح الأنباري والنصوص هي (أسئلة الجلاد والضحية ) و (القاتل والقتيلة) و( القاص
والقنّاص) وفق ماهية المشروع ويمكن
الإعتماد عليها لعروض منودرامية تعاقبية ويبقى أخر فقرة في برنامج الورشة إختيار
كادرالعرض والبدء بالبروفات وإشعال قناديل العرض الجديدة وهذا حلم احاول تحقيقه
كمنجز مسرحي يقدم على المسارح وفي التظاهرات الثقافية والمهرجانات المسرحية ...
هناك
مقولة لا تهدأ في روحي وتتماوج مع نبض القلب ، المقولة هي : لابد أن أن نحلم ،
وأنا أمارس الحلم كهواء أتنفسه وأحاول وهذا هو الأهم ، وفي هذه الأيام حلمي أن
أنفذ مشروعي " المنودراما التعاقبية" عبر ورشة فنية أنجز خلالها عرضاً
مسرحيا وطبعا المشروع سيكون أرضية حرّة لكتابة النصوص وانجاز العروض المسرحية.
وفي
أولى الفرص أصبح المشروع في مخاض التنفيذ كعرض مسرحي منودرامي تعاقبي ، وذلك في
مدينة تورنتو عام 2016 ، حيث قدم العرض ( أسئلة الجلاد والضحية) في مهرجان الجمعية
الثقافية العراقية الكندية .
0 تعليقات